التحولات السياسية

لماذا تسعى كوريا الجنوبية إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا؟

انعقدت قمة كوريا الجنوبية–أفريقيا في العاصمة سيول في الفترة من 4–5 يونيو 2024 تحت شعار “المستقبل الذي نصنعه معاً: النمو المشترك والاستدامة والتضامن”؛ وذلك بمشاركة ممثلي نحو 48 دولة أفريقية، بما في ذلك 25 رئيساً، في إطار المساعي الكورية لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، بما يخدم توجهاتها الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز مكانة سيول على المستوى الدولي، باعتبارها دولة محورية عالمية عبر أفريقيا التي تمثل بوابة وساحة استراتيجية لجميع القوى الدولية الساعية إلى كسب المكانة الدولية.

وتحظى هذه القمة بأهمية خاصة؛ لكونها تُعَد القمة الأولى من نوعها التي تُنظِّمها كوريا الجنوبية مع أفريقيا؛ حيث تُعوِّل سيول عليها لتعزيز فرصها في أفريقيا عبر تقديم نفسها كشريك مهم للدول الأفريقية بما في ذلك مساعي تعزيز العلاقات الاقتصادية معها، بما يتيح لها الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها دول القارة، وما قد يشكله ذلك من نقطة تحول مهمة في الاستراتيجية الكورية التي باتت عضواً حديثاً في نادي “دبلوماسية القمم”، بجانب عدد من القوى الدولية الفاعلة الأخرى في أفريقيا؛ الأمر الذي يجعل منها منافساً جديداً على الموارد والثروات الأفريقية، وما قد يُصاحِب ذلك من تحولات في ديناميات التنافس الدولي على أفريقيا، وتأثيرات ذلك على مسار علاقات كوريا الجنوبية مع أفريقيا خلال المرحلة المقبلة.

ملامح التقارب

تأتي القمة الكورية الجنوبية الأفريقية بمنزلة ترجمة للعديد من التفاعلات الإيجابية بين الجانبين على مدار السنوات الماضية. ويتمثل أبرز أبعاد التقارب بين كوريا الجنوبية وأفريقيا فيما يلي:

1– تطور العلاقات الدبلوماسية الكورية الأفريقية: تعطي الحكومة الكورية الأولوية لتعزيز علاقاتها الدبلوماسية وتعاونها مع الدول الأفريقية؛ لاعتبارات استراتيجية عدة؛ منها موقع أفريقيا على الساحة الدولية، وإمكاناتها المتنوعة ومزاياها المتعددة بسبب هيكلها الديمغرافي. ويتجلى ذلك في وجود نحو 25 سفارة كورية جنوبية في أنحاء قارة أفريقيا على مدار العقود الثلاثة الماضية، إضافة إلى مشاركة نحو 48 دولة أفريقية في القمة الكورية الأفريقية الأخيرة، بما يعكس الرغبة المتبادلة للجانبين في تطوير العلاقات الثنائية بما يحقق المنفعة المتبادلة خلال الفترة المقبلة، لا سيما أن كوريا تعد عضواً مراقباً في منظمة الاتحاد الأفريقي منذ عام 2005.

2– ترويج سيول لصورة مغايرة للنفوذ الغربي بأفريقيا: تنطلق كوريا الجنوبية، في إطار منافستها في معركة كسب القلوب والعقول الأفريقية، من تبني سرد تاريخي للاحتلال الغربي والفقر في القارة، مستفيدةً من كونها لا تملك ميراثاً سلبياً من حكم الاحتلال في القارة، خاصةً أنها تُروِّج لتاريخهما المشترك من الفقر، قبل أن تتغلب سيول على جميع التحديات والعقبات وصولاً إلى تحقيقها نمواً ملحوظاً بمساندة قوية من المجتمع الدولي، وهو ما يجعل سيول في وضع أفضل للعمل مع أفريقيا، من خلال تبني خطاب يعزز فرص الشراكة مع الدول الأفريقية، ونقل تجاربها التنموية إليها في سبيل تحقيق خطوات مقبولة في عملية التنمية والمنفعة المشتركة بين الطرفين، لا سيما أنها تؤكد أن ما يميزها عن القوى الدولية الأخرى هو قدرتها على فهم الدول الأفريقية؛ الأمر الذي يجعلها شريكاً حقيقياً ومتعاطفاً مع القارة الأفريقية، ويعزز القبول الأفريقي لها في ضوء توتر العلاقات مع بعض القوى الغربية في بعض المناطق الأفريقية مثل الساحل خلال الفترة الأخيرة.

3– تنامي العلاقات التجارية بين الطرفين: تشير بيانات رابطة التجارة الدولية الكورية إلى ارتفاع التجارة الكورية الجنوبية مع أفريقيا بنحو 23 ضعفاً؛ حيث ارتفع حجمها من 890 مليون دولار في عام 1988 إلى 20.5 مليار دولار في عام 2022، كما شهدت الاستثمارات الكورية في أفريقيا ارتفاعاً من 63 مليون دولار في عام 1988 إلى نحو 700 مليون دولار في عام 2019، كما تأسست نحو 691 شركة كورية جنوبية في أنحاء القارة منذ عام 2000 باستثمارات بلغ قيمتها نحو 5.8 مليار دولار، وفقاً لرابطة التجارة الدولية الكورية “كيتا”. ومع ذلك، لا يتجاوز حجم التجارة بين الطرفين نسبة 2% من إجمالي واردات وصادرات كوريا الجنوبية.

وفي سياق متصل، تعد كوريا جزءاً من ممر لوبيتو في الجنوب الأفريقي باستثمارات تبلغ قيمتها حوالي مليار دولار. فيما يشهد القطاع السياحي تطوراً بين الجانبين، ففي عام 2023، زار نحو 13 ألف سائح كوري جنوبي قارة أفريقيا، في حين زار حوالي 57 ألف سائح أفريقي كوريا الجنوبية، وفقاً لبيانات منظمة السياحة الكورية الجنوبية. كما تمتلك سيول بعض خطوط الطيران مباشرة مع عدد من العواصم الأفريقية مثل القاهرة ونيروبي وجوهانسبرج، بما يعزز التواصل وتحسين العلاقات التجارية مستقبلاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى