دستور الطائف في خبر كان – جان بو شعيا.



جريمة تلو الأخرى تتوالى على اتفاق الطائف يرتكبها مَن نصّب نفسه مدافعًا عن هذا الاتفاق في القول ويعمل على تهديمه بالفعل. إنّه نجيب العجيب الذي سطّر خلال كلّ مرّة تسلّم فيها زمام الحكم ملاحم في التنكيل بدستور لبنان، مدعومًا من المنظومة إيّاها التي استفادت من هذا الاتّفاق لسرقة خيرات البلاد والعباد.
رغم أنّ اتّفاق الطائف فرّغ رئاسة الجمهورية من مضمونها وجرّد رئيس الجمهورية من صلاحياته، إلّا أنّ ممارسة الرئيس ميشال عون لبعض الصلاحيات التي لم يطبّقها أحد من الرؤساء ما بعد الطائف، دفع هؤلاء للإفادة من الفراغ الرئاسي للانقضاض على ما تبقّى من هذه الصلاحيات وإنهاء الدور المسيحي بالكامل في ممارسة السلطة. وحده التيار الوطني الحرّ رفع الصوت ونبّه من تلك الممارسات، وها سيّد بكركي يلتحق، ولو متأخّرًا، بالتنديد والتحذير من حكم “الدويكا” في ظلّ صمت مريب من المدّعين السيادة والأمن المسيحي، وكأنّهم، ككلّ مرّة، يؤمّنون الغطاء لشركائهم المستترين، ظنًّا منهم أنّهم هكذا يسيطرون على القرار المسيحي وينهون حالةً تؤرقهم وتعرقل مخطّطهم، حالة التيار الوطني الحر ورئيسه الحالي ومؤسّسه.
لم يتّعظ هؤلاء “السياديون” من الماضي القريب عندما صرخ القائد في العام تسعين متوجّهًا إلى “شعب لبنان العظيم”، منبّهًا من خطورة اتّفاق الطائف على الوضع المسيحي في الحكم، وعندما طالب بإدخال تعديل، ولو بفاصلة، على هذا الاتّفاق، شنّت عليه معركة 13 تشرين الأوّل بتجمّع من القوى ذاتها التي تتجمّع اليوم لإنهاء هذه الصرخة التي لا تزال تقضّ مضاجعهم، وبغطاء جديد من المدّعين الحفاظ على الأمن المسيحي، وقد نسي هؤلاء أنّ غطاءهم في التسعينيات أدّى إلى سجن قائدهم، وأنّ غطاءهم لجرائم اليوم سوف ينهي دورهم بالكامل.
عودًا على بدء، فإنّ نجيب العجيب الذي استغلّ الوجود السوري في حقبة ما بعد الطائف، والذي سرق اللبنانيين عبر بيعهم خطوط هواتف نقّالة باعتبارها تأمينًا ولم يعدها إليهم، والذي استغلّ قربه من النظام السوري حينها ليأخذ قروضًا بملايين الدولارات من بنك الإسكان لأولاده، ها هو يستغلّ الوضع الاقتصادي المرير والأمني الخطير في الجنوب، لينقضّ على صلاحيات رئيس الجمهورية، فيمضي المراسيم منفردًا مخالفًا دستور الطائف، ويعقد جلسات حكومية بجداول أعمال فضفاضة وغير ضرورية مخالفًا دستور الطائف، ويمدّد لقادة أمنيين رغم وجود بدائل قانونية مخالفًا دستور الطائف، واليوم يعيّن رئيسًا للأركان دون العودة للوزير المختصّ مخالفًا دستور الطائف، يسانده بذلك رئيس آخر يعقد جلسات لمجلس النواب لتمرير قوانين غير ضرورية، ودائمًا بغطاء “السياديين” أنفسهم مخالفًا دستور الطائف…
أصبح دستور الطائف في خبر كان، وأصبح الدور المسيحي في الحكم مغيّبًا تمامًا، وبعد أن تمّ الانقضاض على أعلى سلطة سياسية مسيحية، رئاسة الجمهورية، نافذًا بممارسة “الدويكا” في الحكم وغطاء “الدويكا” القواتية والاشتراكية، حان وقت مهاجمة أعلى سلطة كنسية مسيحية. فبدل أن يعتذر نجيب العجيب من سيّد بكركي، راح يتوجّه إليه في افتتاح جلسة لحكومة بتراء بتعابير أقلّ ما يقال فيها غير لائقة، ومضمونها كاذب وملتوٍ ينمّ عن صفات مطلقها. والمخرج لكلّ ذلك عند الرئاستَين الثانية والثالثة، دعوة كاذبة لانتخاب رئيس جديد للبلاد. هل تشير ممارستهما للسلطة إلى أيّة نية حقيقية لانتخاب رئيس للجمهورية ؟ أم كالعادة “بلفة” جديدة ودغدغة لمشاعر الرأي العام ؟
دقّ رئيس التيار الوطني الحر ناقوس الخطر فهاجمه الجميع واتّهموه بشخصانية مطالبه، طالب بتطبيق الطائف وتعديل بعض بنوده لتصحيح الأداء فاعتبره الجميع أنّه يسعى لإلغائه، اعترض على تمديد وتعيين من هنا وعقد اجتماعات وتشريع من هناك فكان أن عيّره الجميع بتعطيل مسار الدولة، واجههم بالوقائع والدلائل فردّ الجميع عليه بالشائعات والتحريض، حذّرهم من بعض الممارسات والانتهاكات فتجاهله الجميع ليعودوا ويستعملوا قرائنه كشعار لهم متّهمين إيّاه بالعرقلة والتعطيل، يسائلهم في مجلس النواب فيردّون عليه باتّهام عهد الرئيس عون، عقدتهم الدائمة.
ويبقى السؤال، في ظلّ هذه الوقائع، عن أيّة دولة يتكلّمون وقد انتُهك دستورها بالكامل ؟ عن أيّ ضرورة لانتخاب رئيس يتكلّمون وقد سلبوا جميع صلاحياته وأصبح وجوده لزوم ما لا يلزم ؟ عن أيّ عيش مشترك يتكلّمون وهم، بممارساتهم، يهاجمون أعلى سلطة سياسية وكنسية مسيحية ؟ عن أيّ ثورة يتكلّمون وهم يلتزمون الصمت عن السرقات والسارقين ويدافعون عن النزوح واللجوء السوري ؟ أصبحنا نعيش حقيقة في غابة لا في دولة، ولا السبيل إلى قيامة لبنان إلا بالرجاء واستفاقة “شعب لبنان العظيم”.

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *