استراتيجيات وتحاليل سياسية

“إسرائيل” في العراق: استهداف مزمن ورهانات مستمرة

Www.samapress.org

 

ليلى عماشا

 

لا يمكن الحديث عن دور “إسرائيلي” في أيّ مكان بدون التطرّق إلى الإرهاب والتخريب والاعتداء كعناوين رئيسية. وإن كان تظهير هذه العناوين يتخذ أحيانًا أشكالًا لطيفة ومسميّات متحضّرة بمعايير الغربيين والمستغربين، كالديمقراطية والمدنيّة وسائر المفاهيم التي يتمّ تشويهها ودسّها كمسخ مقنّع في البلاد المستهدفة، فالمسار العدواني يبقى حاضرًا ويسير بالتوازي مع خطوط “الدور” الأخرى.

ما هو الدور “الإسرائيلي” في العراق؟ كيف ظهر هذا الدور، أيْ ما هي مؤشّرات وجود هذا الدور في العراق تحديدًا؟ ما هو سياقه الزمني؟ والأهم، لماذا؟ أسئلة يطرحها كلّ مهتم بالشأن العراقي خاصة، وبشؤون محور المقاومة ومسار الصراع مع العدو الصهيوني بشكل عام..مؤشرات الدّور “الإسرائيلي” في العراقيشكّل استهداف مقار “الحشد الشعبي” في العراق في سلسلة اعتداءات مؤشّرًا واضحًا على الدور العدواني الصهيوني تجاه العراق وأرضه وشعبه، علمًا أن كيان الاحتلال لم يعترف بمسؤوليته بشكل مباشر عن هذه الاعتداءات لاعتبارات عديدة ومنها أنّه يتوخى الحذر من الدخول علانية على خط الوضع العراقي، لكن لا يجب أن غيب عن البال طريقة استثماره لهذه الاعتداءات في الداخل وتبجّح نتنياهو بمساعيه لضرب أي “تموضع” لإيران في المنطقة في تصريح جاء أمام الكنيست مباشرة بعد استهداف مقار الحشد الشعبي، وبعدها تلميحه حول خطورة الحشد كتهديد استراتيجي حين الحديث عن خطورة داعش، بالإضافة إلى الكثير من التسريبات الصحفية التي تمّ تداولها سواء داخل الكيان الصهيوني أو في الولايات المتحدة الأميركية إذ أكدّت صحيفة نيويورك تايمز على مسؤولية “اسرائيل” بالغارات ضد مراكز الحشد الشعبي في العراق.

قبل هذه الاعتداءات المباشرة وبعدها، كانت ولا تزال البصمات الإسرائيلية وحكمًا الأميركية واضحة على كلّ العمل الإعلامي والتحريضي ضد الحشد. بكلام آخر، يدرك الأميركيون ومعهم الصهاينة أنّ الحشد الشعبي وسائر فصائل المقاومة العراقية هم نقطة قوّة العراق والعائق الحقيقي الذي يمنع العراق من التحوّل إلى منصة اعتداء على إيران أو إلى ساحة تعادي الجمهورية الإسلامية التي تدعم كلّ فصائل المقاومة في المحور.

لذلك كان لا بد بالنسبة لهم من السعي إلى شيطنة الحشد بعين أهله، أهل العراق، وجعله يبدو مسؤولًا عن كل الأزمات التي يعانيها العراقيون. تمامًا كما يفعلون في لبنان عبر سعيهم مع أدواتهم المحلية إلى شيطنة حزب الله.بناء على ذلك، يحتاج الصهاينة إلى تفتيت قوة الحشد الشعبي بالاعتماد على كلّ السبل لمعرفتهم أنّ الحشد قد تحوّل فعليًا إلى قوّة اقليمية مؤثرة تشكّل تهديدًا دائمًا ومتواصلًا بالنسبة للكيان الصهيوني. السياق الزمني للدور الإسرائيلي في العراق.

بعيدًا عن صواريخ صدام حسين الاستعراضية، لطالما شكّل العراق تهديدًا بالنسبة للصهاينة. وإن كان هذا التهديد مجرّد احتمال قبل الثورة الإسلامية فقد تحوّل بعدها إلى تهديد دائم، حاولت “اسرائيل” التعاطي معه دائمًا على قاعدة المراهنات. فقد راهن الصهاينة على استنزاف العراق وإيران على حدّ سواء من خلال الحرب بين البلدين، وكانت عملية أوبرا التي دمّرت فيها الطائرات الصهيونية المفاعل النووي العراقي إشارة إلى أن الصهاينة عرفوا أنّ العراق لن يردّ حتى على اعتداء بهذا الحجم.. بعدها راهنوا على دور الاحتلال الأميركي المباشر للعراق لتحويله إلى منصّة “صديقة”، وبنوا على رهانهم هذا آمالا اقتصادية واستراتيجية في العراق إلى أن سقط رهانهم بالانسحاب الأميركي الذي تمّ بدون أن تحقّق الولايات المتحدة الأميركية أيًّا من أهدافها وأبرز هذه الأهداف بناء دولة تعادي إيران وتصادق “اسرائيل”. وقبل أن يتمكن الصهاينة من استيعاب خيبتهم بدأوا برهان جديد: “داعش”، فتبلورت قوّة شعبية عراقية مسلّحة جابهت داعش في الميدان وانتصرت.

وهنا، ومع تراكم الخيبات الصهيونية وتطوّر عجزهم، صار الحشد بالنسبة لهم على رأس قائمة الاستهداف، سواء عسكريًا أو “مدنيًا” عبر الإعلام والمنظمات غير الحكومية بهدف التحريض على الحشد وعزله.

لماذا يستهدف الصهاينة العراق؟من الموقع الجغرافي الإستراتيجي إلى الثروات النفطية، تتعدّد الأسباب، والعدوان الصهيوني واحد. بالنسبة للصهاينة وللغرب عمومًا، تشكّل الثروات النفطية وغيرها من الموارد سببًا كافيًا للعدوان بهدف الاستفادة منها وتجييرها لمصلحتهم. وفي الحالة العراقية، لا يتوقّف الأمر على الأطماع ذات الطابع الاقتصادي. فأرض العراق هي “السدّ” الذي يحتاجه الصهاينة كعازل يبعد عنهم الخطر الإيراني الذي يهدّد أصل وجودهم. ومع تبلور قوّة الحشد المتصلة بالدم وبالعقيدة المتينة بالجمهورية الإسلامية في إيران، صار حلم “إسرائيل” بمجال جغرافي يعزل إيران ورقة خاسرة مكانها في سلّة مهملات المخطّطات الإستراتيجية. ولذلك تفتيت العراق بالصراعات الداخلية، وتفتيت الحشد هما حاجة صهيونية أساسية إذا ما تمّت معالجتها عاجلًا وبشكل طارىء بالنسبة إليهم، يصبح زوال كيانهم مسألة لا يمكنهم الاستمرار في محاولة توريتها أو إخفائها عن داخلهم المتهاوي أصلًا، لا سيّما مع تعاظم قوّة المحور المقاوم وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران، ودور الحشد وسائر فصائل المقاومة العراقية الأساسي في المحور.

أضف إلى ذلك، يشكّل العراق خطًّا رئيسيًا يؤمن الإمداد المقاوم لسوريا، وبالتالي هو صلة الوصل الجغرافية الأساسية لتماسك محور المقاومة وصموده بل ولتحوّله إلى تهديد دائم ومتواصل ومباشر يستهدف أصل وجود الكيان.حين قام الأميركيون باغتيال القائدين المعظّمين الجنرال قاسم سليماني، سيّد شهداء محور المقاومة، والقائد في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، قلب الحشد، رحّب الصهاينة بالعملية بحذر وتوجّس، واحتاروا بين خوفهم من انتقام يعرفون أنّه عاجلًا أم آجلًا سيطالهم ويستهدفهم وبين فرحتهم باحتمال أن ينتهي الحشد الشعبي باستشهاد “الشايب” وأن تنقطع صلة الوصل العراقية الإيرانية لاعتبارات متعدّدة. سقط الاحتمال إذ أدركوا أن الدم يعزّز الرابطة ويقوّيها، وأن الدّمع الذي ذُرف في جنازة القائدين ورفاقهما والتي امتدت كسيل بشري من بغداد إلى طهران، هو وقود التفجير الذي سيزيلهم من الوجود.

لذلك، لذلك كلّه، يستهدف الصهاينة العراق، ولذلك لا يمكن اغفال الدور “الإسرائيلي” في العراق من أي مقاربة للوضع في العراق والمنطقة. وكلّ من يتعامى عن هذا الدور أو يحاول التعتيم عليه هو حتمًا متواطىء ومتورّط بالخيانة العظمى، سواء كان جاهلًا بتورطّه هذا أو مدركًا له.

راكم الصهاينة في العراق سلسلة خيبات وكوّموا الرهانات الخاسرة منذ نشأة كيانهم المصطنع في المنطقة. هذه الخسارات التي لم يتعلّموا منها هي جزء لا يتجزّأ من الأرضية التي تجهّز لزوالهم الحتميّ.. هي مسألة وقت، وخلال هذا الوقت، كلّ عراقي، بل كلّ مَن يعتبر نفسه معنيًا بهذا الصراع، مسؤول عن خياراته وأثمانها.. وإن سقط البعض في الخيارات الخاسرة والتي تراهن على من راهن وخسر ألف مرة، فالدم الذي سال في العراق وفي كلّ أرض يريد الأميركي ومعه “اسرائيل” استباحتها، كفيل بشدّ عزيمة كلّ حرّ في كلّ ساعة إلى أن نصل إلى ساحة المعركة الأخيرة، ونصلّي جميعًا في القدس معلنين “زوال اسرائيل من الوجود”.

زر الذهاب إلى الأعلى