مقالات ورأي

الشّيعة في لبنان نقمة النّقمات..فليرحلوا

-سركيس الشّيخا الدّويهي

قبل خمس سنوات، كتبتُ مقالةً عن الشّيعة في لبنان بعنوان: “الشّيعة نقمة.. فليرحلوا”.

الجدليّة لا تزال قائمةً، وقد تدوم وتدوم إلى أجَلٍ غير مسمّى. وحُكمي لا يزالُ ثابتًا، فرأيي لم يتغيّر، ومبادئي لم تتبدّل، وقناعاتي لم تتزعزع ولم تسقط.

لم أكتب المقالة، يومها، لأنال حظوةً عند الشّيعة أو منصبًا من الثّنائيّ الشّيعيّ، بل لأنقل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة. حقيقة اكتشفتُها يوم تجرّدتُ من أفكاري الموروثة ومن التّعصّب الأعمى بمختلف أشكاله وتعرّفتُ إلى الطّائفة الشّيعيّة الكريمة والشّيعة في لبنان. التّجرّد من الأفكار الموروثة عمليّةٌ صعبة تحتاج إلى الكثير من القوّة والجرأة والشّجاعة، إلّا أنّها عمل بطوليّ يحرّر الإنسان من كلّ القيود المفروضة عليه من أهله ومجتمعه.

لم أتربَّ على الكذب في بيت أبي، بل على الصّدق وقول الحقيقة، مهما كان ثمنُ هذه الحقيقة باهظًا.

الشّيعة في لبنان نقمة.. نقمة النّقمات… جدليّة قائمة لدى مَنْ يعتبرهم خطرًا وجوديًّا على لبنان والمنطقة.

نعم، إنّ الشّيعة في لبنان نقمةٌ علينا، لأنّهم لم يرتضوا لأنفسهم الخزي، والعار، والذّلّ، والهوان… فحاربوا الجيش الإسرائيليّ الّذي “لا يُقهَر” بالحجارة، والزّيت المغليّ، وبنادق الصّيد، ومن ثمّ بالأسلحة المتطوّرة والعقول المتوقّدة، فقهروه، وهزموه، ودحروه، وحرّروا جنوبنا الغالي من براثنه عام ٢٠٠٠، وأثبتوا للعالم أجمع أنّ “إسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت في حرب تمّوز عام ٢٠٠٦.

نعم، إنّ الشّيعة في لبنان نقمةُ النّقمات، لأنّهم قاتلوا الجماعات الإرهابيّة والتّكفيريّة ببأسٍ شديدٍ، وقدّموا أجسادهم دروعًا واقيةً عند الحدود الشّرقيّة إلى جانب أبطال الجيش اللّبنانيّ، فانتشلوا لبنان من فم الإرهاب التّكفيريّ وحموا شعبه من أبشع المجازر والعمليّات الدّمويّة الّتي لم تكن لتستثني أحدًا، أو منطقةً، أو طائفةً، وما حصل في سوريا والعراق خير دليل على ما أكتب.

إنّ الشّيعة في لبنان إرهابيّون، لأنّهم قاتلوا الصّهاينة والتّكفيريّين والإرهابيّين، ولم يقتلوا الأطفال والشّباب والعجائز، ولم يقطعوا الرّؤوس وينتزعوا القلوب والأكباد ويأكلوها، ولم يغتصبوا العذارى والنّساء ويبيعوهنّ في أسواق النّخاسة، ولم ينكّلوا بجثث القتلى الإسرائيليّين والإرهابيّين، ولم يتفنّنوا بالقتل ويتباهوا بجرائمهم الشّنيعة أمام آلات التّصوير، ولم يرتكبوا المجازر في حقّ الأبرياء العُزَّل، ولم يعدموا الأسرى ذبحًا، وشنقًا، وحرقًا، وإغراقًا، ورميًا بالرّصاص، ولم يهدموا البيوت فوق رؤوس أصحابها، ولم يدمّروا الآثار ويسرقوا القطع الأثريّة، ولم يقتلوا الجنود في الثّكنات ورجال الدّين في دور العبادة، ولم ينحروا المسيحيّين، والسُّنّة، والدّروز…

هل الشّيعة هم من أسّسوا “القاعدة” و”داعش” و”جبهة النّصرة” و”التّكفير والهجرة” وغيرها من الجماعات التّكفيريّة؟ وهل “أسامة بن لادن” و”أبو بكر البغداديّ” و”أبو عمر الشّيشانيّ” وغيرهم من أمراء الإرهاب ورموزه هم من الشّيعة؟ وهم بالتّأكيد ليسوا بمسلمين أو بسُنّة، فالإرهابيّون لا دين لهم ولا طائفة.

إنّ الشّيعة في لبنان كافرون، لأنّهم لم يكفِّروا مسيحيًّا ولا سنّيًّا ولا درزيًّا، ولم يخطفوا راهباتٍ ومطارنة ورجال دين، ولم يغتالوا مشايخ ومفتين، ولم يدمّروا كنائس وأديرة ومساجد، ولم ينبشوا قبور قدّيسين، ولم يحطّموا تماثيل العذراء والمسيح، ولم يكسّروا صلبانًا، ولم يحرقوا أيقونات وأناجيل، ولم يقتلوا مَنْ ليسوا بشيعةٍ أو يفرضوا الجزية عليهم…

إنّ الشّيعة في لبنان عملاء، لأنّهم لم يجتمعوا بشارون ونتنياهو، ولم يصافحوا القادة الإسرائيليّين، ولم يخطّطوا مع الضّبّاط الصّهاينة لاجتياح بيروت والمناطق اللّبنانيّة، ولم يحصلوا على “رفاهيّة” التّجوّل على متن دبّاباتهم أو على “ترف” الحصول على هداياهم الثّمينة من أسلحة، وخواتم، وبدلات عسكريّة… ولم يرسلوا المؤَن، والمال، والسّلاح، والحفاضات، والحليب، للإرهابيّين في سوريا وفي جرود عرسال.

إنّ الشّيعة في لبنان عملاء، لأنّهم آثروا الموت على مبايعة الظّالم والمحتلّ والمعتدي، لم يتنازلوا عن حبّة تراب من أرضهم ونقطة ماء من بحرهم، ولم يساوموا على ذّرة من غازهم ونفطهم وميلّمتر واحد من حدود بلادهم.

إنّ الشّيعة في لبنان إرهابيّون حقًّا في عيون مَن لم يشتمّ عطر الكرامة والعزّة في ثرى بلاده، ومَن لم يأكل من خيرات أرضه، فاعتاد على “اللّقمة البرّانيّة”، وعلى “البترودولار”، وعلى “أسرة القصور” في الخليج، وأدمن على الذّلّ، والانبطاح، والخنوع…

فليرحلوا، لأنّهم ليسوا بخونة، ولا بعملاء، ولا بمتآمرين…

فليرحلوا، لأنّهم الأكرم، والأشرف، والأطهر، والأجمل، والأعظم، والأنظف، والأنقى…
فليرحلوا، لأنّهم يفضحون الجبناء والمنبطحين والأذلّاء، ويكشفون عوراتهم الأخلاقيّة، والوطنيّة، والعروبيّة، والإنسانيّة…
فليرحلوا إلى دنيا المسيح ومحمّد وآله، حيث راية “هيهات منّا الذّلّة” ترفرف فوق السّطوح والقمم، وليأخذوا معهم كلّ مقاوم حرّ شريف، يأبى الذّلّ والهوان، ويُؤثِر مصارع الكرام على طاعة اللّئام.

فليرحلوا، وليأخذوا معهم قادتهم، وشهداءهم، وجرحاهم، ومجاهديهم، وأبطالهم، ومقا-و-متهم، وصمودهم، وعزّتهم، وكرامتهم، وعنفوانهم…

فليرحلوا، وليأخذوا معهم مجد لبنان الّذي صنعوه بدمائهم، وسواعدهم، وتضحياتهم…
فليرحلوا…

أظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى